ابن الجوزي
77
زاد المسير في علم التفسير
والسابع : تواضعوا لربهم ، قاله ابن قتيبة . فإن قيل : لم أوثرت ( إلى ) على اللام في قوله : ( وأخبتوا إلى ربهم ) والعادة جارية بأن يقال : أخبتوا لربهم ؟ فالجواب : أن المعنى : وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم ، واطمأنوا إلى ربهم . قال الفراء : وربما جعلت العرب ( إلى ) في موضع اللام ، كقوله ( تعالى ) : ( بأن ربك أوحى لها ) ، وقوله ( تعالى ) : ( الذي هدانا لهذا ) . وقد يجوز في العربية : فلان يخبت إلى الله ، يريد : يفعل ذلك موجهه إلى الله . قال بعض المفسرين : هذه الآية نازلة في أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما قبلها نازل في المشركين . ثم ضرب للفريقين مثلا ، فقال ( تعالى ) : ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم ) قال مجاهد : الفريقان : المؤمن والكافر . فأما الأعمى والأصم فهو الكافر ، وأما البصير والسميع فهو المؤمن . قال قتادة : الكافر عمي عن الحق وصم عنه ، والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به . وقال أبو عبيدة : في الكلام ضمير ، تقديره : مثل الفريقين كمثل الأعمى . وقال الزجاج : مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع ، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم ، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر . قوله تعالى : ( هل يستويان مثلا ) أي : هل يستويان في المشابهة ؟ والمعنى : كما لا يستويان عندكم ، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله ( عز وجل ) وقال أبو عبيدة : ( هل ) هاهنا بمعنى الإيجاب ، لا بمعنى الاستفهام ، والمعنى : لا يستويان . قال الفراء : وإنما لم يقل : ( يستوون ) لأن الأعمى والأصم من صفة واحد ، والسميع والبصير من صفة واحد ، كقول القائل : مررت بالعاقل واللبيب ، وهو يعني واحدا ، قال الشاعر : وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني فقال : أيهما . وإنما ذكر الخير وحده ، لأن المعنى يعرف ، إذا لمبتغي للخير متق للشر . وقال ابن الأنباري : الأعمى والأصم صفتان لكافر ، والسميع والبصير صفتان لمؤمن ، فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة ، كما تقول : العاقل والعالم ، والظالم والجاهل ، حضرا مجلسي ، فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة ، لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل ، وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم ، فلما كان المنعوتان اثنين ، رجع الخبر إليهما ، ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف ، ألا ترى أنه يسوغ أن تقول : الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني ، فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد ، ولا يمتنع عطف النعوت على